يحلّل جيسي ماركس في هذا الطرح مسار الأردن وسط التحولات الإقليمية، فيشير إلى أن الحرب على إيران لا تترك أثرها على الاقتصاد فقط، بل تعيد تشكيل أدوار الدول في المنطقة، حيث يقف الأردن بين احتمال التضرر وفرصة التحول إلى محور صمود اقتصادي.
ويركّز أتلانتيك كاونسل في هذا السياق على أن الموقع الجغرافي للأردن يمنحه ميزة استراتيجية تجعله عقدة طبيعية في مشاريع الممرات التجارية الجديدة، التي تسعى لإعادة تنشيط التعاون الاقتصادي وفتح طرق أكثر كفاءة لنقل السلع والطاقة.
شراكة الرياض: نقطة الانطلاق الحقيقية
يفرض الواقع على الأردن ألا يراهن على وعود دولية قد لا تتحقق، بل يدفعه إلى بناء شبكة ترابط اقتصادي تبدأ بشركائه الأقرب، وعلى رأسهم السعودية.
تُظهر العلاقة بين البلدين تحولًا من دعم تقليدي إلى شراكة هيكلية أعمق؛ إذ تجاوزت الاستثمارات السعودية في الأردن خمسة عشر مليار دولار، منها ثلاثة مليارات عبر صندوق الاستثمار السعودي الأردني. كما ارتفعت الصادرات الأردنية إلى السعودية بنسبة 19% خلال النصف الأول من 2025.
يفتح هذا الزخم الباب أمام دور جديد للأردن كممر يربط الخليج بسوريا ثم البحر المتوسط وأوروبا. ويعتمد هذا الدور على تدفق رأس المال السعودي الذي يمكنه إطلاق مشاريع البنية التحتية اللازمة.
لكن التحدي لا يكمن في التمويل فقط، بل في قدرة عمّان على تحويل هذه الإمكانات إلى واقع فعلي، خاصة في ظل بطء تنفيذ المشاريع السابقة.
الممرات الاقتصادية كأداة استقرار
تُظهر التجارب الحديثة أن مشاريع الربط الإقليمي لا تخدم التجارة فقط، بل تدعم الاستقرار السياسي أيضًا. لذلك تحتاج منطقة المشرق إلى نموذج مشابه يربط المصالح الاقتصادية بالدوافع السياسية.
تُقدّر كلفة إعادة إعمار سوريا بنحو 216 مليار دولار، ما يخلق حاجة ملحّة لممرات فعالة لنقل المواد والاستثمارات. وهنا يبرز الأردن كخيار شبه وحيد بفضل استقراره وحدوده المفتوحة نسبيًا مع مختلف الأطراف.
تعقّد الحرب في غزة مشروع الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، خاصة مع ارتباطه بإسرائيل، لكن الفكرة الأساسية ما تزال قائمة: ربط طاقة الخليج ورأس ماله بأسواق أوروبا.
ومع اضطراب الملاحة في البحر الأحمر وتأثر مضيق هرمز بالحرب، تزداد الحاجة إلى طرق برية بديلة، ما يعزز أهمية المسار الذي يمر عبر الأردن.
فجوة البنية التحتية والتحديات الداخلية
تكشف المشاريع القائمة عن إمكانات كبيرة، مثل خط السكك الحديدية المقترح بين العقبة ومعان، ومشروع إماراتي بقيمة 2.3 مليار دولار لربط مناطق التعدين بالموانئ. لكن هذه المشاريع لا تغطي سوى جزء محدود من الممر، بينما يبقى الربط مع عمّان والشمال غير مكتمل.
تعمل تركيا على إحياء سكة حديد الحجاز عبر سوريا، وتسعى لربطها بالأردن، ما قد يفتح مسارًا يصل إلى أوروبا. كما تدعم اتفاقيات العبور بين تركيا وسوريا والأردن تسهيل حركة الشحن.
رغم ذلك، لا تزال البنية التحتية داخل الأردن غير كافية لتحقيق الربط الكامل، ما يجعل الاعتماد على النقل البري بالشاحنات حلًا مؤقتًا.
في المقابل، تواجه البيئة الاستثمارية في الأردن تحديات مزمنة؛ مثل البيروقراطية، وتذبذب السياسات، وارتفاع تكاليف التشغيل بسبب الاعتماد على الطاقة المستوردة وندرة المياه. كما تعرقل القيود التنظيمية وبطء الإجراءات جذب الاستثمارات طويلة الأجل.
الإصلاحات المطلوبة والفرصة الضائعة
يتطلب تحويل الأردن إلى مركز إقليمي إصلاحات تنظيمية قبل أي توسع في البنية التحتية. ينبغي تسهيل إجراءات الترخيص، وتبسيط الأنظمة الجمركية، وتوفير بيئة مستقرة للمستثمرين.
كما يحتاج الأردن إلى تطوير موانئ برية ومناطق لوجستية حديثة، وربطها بأنظمة رقمية مشتركة مع الدول المجاورة.
على المستوى الإقليمي، تستطيع عمّان والرياض التعاون عبر أربع خطوات أساسية:
- تسريع تنفيذ مشاريع السكك الحديدية وربطها إقليميًا
- إنشاء فريق عمل مشترك لإدارة ممر الإعمار نحو سوريا
- تطوير مراكز لوجستية داخل الأردن بدعم استثماري سعودي
- توحيد الرؤى الاقتصادية ضمن خطط طويلة الأجل
بين الطموح والواقع
يمتلك الأردن فرصة حقيقية ليصبح حلقة وصل بين الخليج وأوروبا، لكن هذه الفرصة لن تتحقق إلا إذا تحرك بسرعة ومرونة.
لا يكفي الموقع الجغرافي وحده، بل يتطلب الأمر إرادة سياسية، وإصلاحًا اقتصاديًا عميقًا، وتنسيقًا إقليميًا فعالًا.
في النهاية، يبدأ مشروع التحول من هدف بسيط: بناء ممر اقتصادي فعّال بين السعودية والأردن وسوريا. وإذا نجح هذا الأساس، يمكن للأردن أن يتحول تدريجيًا إلى محور استراتيجي يعيد رسم خريطة التجارة في المنطقة.
https://www.atlanticcouncil.org/blogs/menasource/jordans-regional-connectivity-begins-in-riyadh/

